أحمد ياسوف
238
دراسات فنيه في القرآن الكريم
هكذا أسهمت الأحياء في إبراز القبيح في صور فنية تعتمد على التشبيه ولا نجد استعارة وهذا يدل على عدم تداخل الطرفين ، ولإفساح المجال للخيال البشري ، ليتصور المرء قدر ما أخذ العاصي من صفات حيوانية ، قدر هذا السقوط الذي لم يقصد لذاته في التصوير فحسب ، بل قصد لبيان علو الكائن البشري وتكريم الخالق له « 1 » . ولقد تراءى لبعض الدارسين أن الرومانسيين هم الذين أدخلوا فكرة تصوير القبيح ، وهذا ما تراه روز غريب قائلة : « وهنا تصبح أهمية المعنى كعنصر جمالي ، أنه يسمح للقبح أن يكون مظهرا من مظاهر الفن ، فكم من وجه قبيح كثير العيوب يجذبنا بقوة تعبيره وجمال معانيه » « 2 » . بيد أننا لا نجد مسوّغا لأولوية الرومانسيين في هذا المضمار ، إلا إذا كان المقصود تفريغ تصوير القبح من المعاني السامية ، فيغدو قبحا غير هادف ، فحتى الهجاء الذي يرتكز في شعرنا العربي على معاني القبح يدل على النقيض وهو جمال الخصال والأوصاف . ولا شك أن القرآن الكريم قد بثّ الجمال في الإتقان الفني لدى تصوير القبح ، ولكن هذا جرى محكما من غير إهمال الوظيفة السامية للصورة المؤثّرة ، ولعل هذه العجالة المتواضعة تؤكد أن القرآن الكريم في ترهيبه يصوّر القبح بطريقة مؤثرة غاية التأثير ، خصوصا في السور المكية ، فنجد شجرة الزقّوم ، وامتلاء البطون بالنار ، والماء المغلي الذي يشوي الوجوه ، والثياب النيرانية ، والمقامع الحديدية والصديد . وهذه المشاهد لا تبعث على الرعب الخالص لمجرد قطع أنفاس
--> ( 1 ) راجع صور القبح في كتابنا : « الصورة الفنية في الحديث النبوي » ص / 707 - 728 . ( 2 ) النقد الجمالي ، روز غريب ، ص 81 .